محمد بن محمد ابو شهبة
221
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
قال تعالى في بيان سنة اللّه في الأمم ، وأن النصر للرسل وأتباعهم ، والهلاك للمكاذبين أعدائهم : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . إلى قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » . وَلا تَهِنُوا : أي لا تضعفوا عن الجهاد بسبب ما جرى لكم . وَلا تَحْزَنُوا : على ما أصابكم من قتل وجراح . وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ : جمع الأعلى أي الأعلون شأنا ، لأن قتالكم للّه ، وفي سبيل إعلاء كلمته ، وقتالهم للشيطان ، وإعلاء كلمة الكفر . وأيضا فقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار ، ثم إنكم أصبتم منهم في بدر أكثر مما أصابوا منكم . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أن العاقبة والنصر للمؤمنين ، أو إن كنتم من أهل الإيمان الصادق ، ففيه تهييج وإلهاب لحماسهم ، لأن الإيمان الصادق لا يهن صاحبه ولا يحزن لما أصابه ، ويستهين بكل شدائد الحياة في سبيل العقيدة الحقة والغاية الشريفة ، أما قوله تعالى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ . . . الآية ، فقد سبق شرحها انفا . . ثم بين سبحانه أن الجنة حفت بالمكاره فلا محيص لمن يطلبها من الجهاد والصبر والكفاح ، والقتل والجراح . . فقال سبحانه : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ إلى قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ « 2 » . ومعنى يعلم : يظهر ، أو المراد تعلق علم اللّه بالشيء واقعا وحادثا . وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ : تحضروا مواطنه . فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ : عاينتم أسبابه ، وأبصرتم موارده .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآيات 137 - 139 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآيتان 142 ، 143 .